رصدت مجلة "هورن ريفيو"، تقاربًا كبيرًا في العلاقات بين مصر وإريتريا، فيما وضعته في إطار محاولة للضغط على إثيوبيا، على خلفية سد النهضة الذي شيدته الأخيرة على الرغم من اعتراض القاهرة، واعتزامها التوسع في خطط بناء السدود خلال المرحلة المقبلة.

 

وقالت إنه في منتصف أبريل، وصل وفد إريتري رفيع المستوى إلى القاهرة في زيارة رسمية استغرقت ثلاثة أيام، على رأسه هاجوس جبرهيويت، رئيس الشؤون الاقتصادية في "الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة"، والمهندس الاقتصادي الرئيسي لحكومة أسياس أفورقي، إلى جانب نسريدين صلاح، وزير التجارة والصناعة. 

 

وخلال الزيارة، عقد الجانبان اجتماعات شملت الشؤون الخارجية والاستثمار والتجارة والصناعة والنقل والكهرباء والزراعة، بالإضافة إلى التحديات المرتبطة بالخدمات المصرفية لتسهيل الاستثمارات المشتركة والتجارة. وأكد وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي مجددًا دعم القاهرة لسيادة إريتريا ووحدة أراضيها. وأعلنت الحكومتان عزمهما على تعزيز التعاون الاقتصادي وتوسيع حجم التبادل التجاري.

 

تشكيل التوجه الاقتصادي الخارجي لإريتريا

 

واعتبرت المجلة أن مستوى الوفد، واتساع نطاق البرنامج الوزاري الذي اضطلع به يعكس مدى تأثير مصر الفعال في تشكيل التوجه الاقتصادي الخارجي لإريتريا. فهاجوس جبرهيويت، الشخصية الاقتصادية الأقوى في أسمرة بعد أسياس نفسه، لم يقم بمثل هذه الزيارة لأغراض تجارية فحسب. 

 

وقالت إن عدم التوصل إلى اتفاق رسمي خلال هذه الزيارة يُرجّح أنها كانت تهدف بالدرجة الأولى إلى توجيه رسالة عامة، موجهة إلى أديس أبابا بقدر ما هي موجهة إلى الرأي العام في كلتا العاصمتين، مفادها أن التوجه الاستراتيجي لأسمرة يزداد رسوخًا ضمن فلك القاهرة.

 

ورأت المجلة أن مصلحة مصر في إريتريا تتجاوز مجرد كونها نقطة ضغط في نزاع النيل، مع أن هذا الدور يبقى أساسيًا. فلطالما اعتبرت القاهرة البحر الأحمر ملكًا حصريًا لمصر وحلفائها، وكان إبعاد إثيوبيا عن الساحل أولوية استراتيجية مصرية ثابتة. 

 

وأضافت: "لهذا الموقف ثقل تاريخي. فقد كان دعم مصر لحركات التحرير الإريترية خلال عقود الكفاح المسلح مدفوعًا، إلى حد كبير، برغبتها في بسط سيطرتها على البحر الأحمر وإضعاف قدرة إثيوبيا على الحفاظ على وجودها. وقد تأثر الحزب الحاكم في أسمرة جزئياً بهذا الدعم. ويستند منطق التحالف الحالي إلى الأسس نفسها".

 

وفي أواخر عام 2025، أفادت التقارير أن مصر اتخذت خطوات عملية لإضفاء طابع ملموس على هذا المنطق، حيث أبرمت اتفاقيات لتطوير ميناءي عصب في إريتريا ودوراليه في جيبوتي، وهما ميناءان يقعان بالقرب من مضيق باب المندب، البوابة الجنوبية للبحر الأحمر. 

 

وتنص الاتفاقيات، بحسب التقارير، على توفير أرصفة قادرة على استقبال السفن الحربية، ومرافق لتزويد الأسطول البحري المصري الجنوبي بالوقود، وخيار نشر وحدات عسكرية صغيرة. 

 

ويُعد ميناء عصب الميناء الذي حددته إثيوبيا بشكل علني كطريق محتمل للعودة إلى البحر. أما ميناء دوراليه فيُعنى بالجزء الأكبر من التجارة الإثيوبية. ويُشكل وجود الأصول العسكرية المصرية في كلا الموقعين تطويقًا متعمدًا لشريان الحياة التجاري لإثيوبيا، مما يُشكل بدوره ضغطًا على أديس أبابا.

 

وصول إثيوبيا التجاري إلى موانئ البحر الأحمر

 

ونقلت المجلة الإثيوبية تقارير نشرت في فبراير الماضي، تفيد بأن مصر اقترحت تسهيل وصول إثيوبيا التجاري إلى موانئ البحر الأحمر، بشرط أن تُبدي أديس أبابا مرونة في مفاوضات النيل وتتخلى عن أي طموح لوجود عسكري ساحلي. لكن القاهرة نفت هذه التقارير في غضون أربع وعشرين ساعة. 

 

وقالت إن مصر استخدمت هذه المناورة من قبل: طرح اقتراح، وممارسة ضغط، وعندما يشتدّ التدقيق، يتم سحب العرض مع الإبقاء على النفوذ الأساسي. وأشارت إلى أن مصر كانت تعرض تخفيف الضغط الذي مارسته بنفسها، مقابل تنازلات لم تتمكن من انتزاعها عبر المفاوضات. وكان التهديد الضمني هو عكس ذلك: استخدام النفوذ في عصب ودوراله لعرقلة التجارة الإثيوبية إذا رُفض العرض.

 

ويمتد التحالف بين القاهرة وأسمرة إلى ما هو أبعد من النيل والبحر الأحمر، ويتجلى ذلك بوضوح في السودان. ففي الأشهر الأخيرة من عام 2025، قام الرئيس أسياس بجولة إقليمية مكثفة، زار خلالها القاهرة، ثم بورتسودان للقاء قائد القوات المسلحة السودانية، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ثم الرياض. 

 

وجاءت زيارة القاهرة عقب زيارة سابقة قام بها البرهان إلى أسمرة، وسبقت سلسلة من الوفود الإضافية من القوات المسلحة السودانية إلى إريتريا. وقد زودت أسمرة القوات المسلحة السودانية بالتدريب والأسلحة والدعم اللوجستي، حيث شكلت الأراضي الإريترية ممرًا لعبور المعدات المخصصة للمجهود الحربي. 

 

دعم مصر وإريتريا للقوات المسلحة السودانية

 

وبحسب "هورن ريفيو"، فإن الدعم المصري الواسع للقوات المسلحة السودانية في الحرب الأهلية السودانية، وتحالف إريتريا مع قوات البرهان، يضعان كليهما بقوة في صف واحد في أخطر صراع تشهده المنطقة.

 

وقالت: "على الرغم من توافق العاصمتين، إلا أنهما توصلتا إلى هذا التوافق عبر حسابات مختلفة. فقد مثّل انهيار حكومة البشير، لكل منهما، فرصة من نوع مختلف". 

 

ففي حالة مصر، أشارت إلى أنها "تنظر إلى الإدارة التي تسيطر عليها القوات المسلحة السودانية كطرف متعاون لإعادة ترسيخ النفوذ القاهري على الخرطوم، وهي أولوية لها تداعيات مباشرة على إدارة النيل وموقف السودان في نزاع سد النهضة". 

 

أما بالنسبة لإريتريا، فأوضحت المجلة أن "القوات المسلحة السودانية مفيدة من نواحٍ متعددة، فهي تسيطر على المناطق الحدودية، كما أن وجود إدارة موالية في بورتسودان يحد من خطر استخدام السودان كمنصة من قبل جهات معادية لأسمرة".

 

وبينت المجلة أن حملة الضغط المصرية توسعت لتشمل المزيد من المواقع، إذ تقوم القاهرة تدريجيًا بنشر نحو 1100 جندي خصصتهم لبعثة الاتحاد الأفريقي الجديدة لتحقيق الاستقرار في الصومال (أوصوم)، في أول مشاركة للقوات المصرية في عملية تابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال. 

 

ويأتي هذا الانتشار في أعقاب اتفاقية دفاع ثنائية وُقعت مع مقديشو عام 2024. ويمنح الوجود العسكري المصري في الصومال مصر موطئ قدم على الجبهة الجنوبية الشرقية لإثيوبيا، مما يعزز قدرتها على العمل من خلال حكومة على خلاف مع أديس أبابا بشأن أرض الصومال، وفق التقرير. وفي الوقت نفسه، تتمركز مصر في ميناء دوراله بجيبوتي. 

 

وعلى الجانب الآخر من حوض النيل، رصدت المجلة الجهود الدبلوماسية المصرية مع الدول الموقعة على اتفاقية الإطار التعاوني، التي دخلت حيز التنفيذ في أكتوبر 2024 والتي ترفضها مصر، فيما قالت إن الهدف من ذلك منع لجنة حوض النيل الجديدة من ترسيخ سلطتها المؤسسية وتقويض الترتيبات التي تعود إلى الحقبة الاستعمارية والتي تستند إليها مطالبات القاهرة التاريخية.

 

تداعيات التحالفات الإقليمية المصرية على إثيوبيا

 

بالنسبة لإثيوبيا، أوضحت المجلة أن تداعيات البنية الإقليمية المصرية تتجلى بشكل مباشر في علاقاتها الثنائية، وتُجسد العلاقة الإثيوبية السودانية هذا النمط. فإلى جانب التوترات الثنائية القائمة بينهما، لطالما تأثر موقف السودان تجاه أديس أبابا بموقف الخرطوم تجاه القاهرة. ويعكس هذا التوجه العدائي المتزايد للقوات المسلحة السودانية تجاه إثيوبيا، وتوافقها مع موقف مصر بشأن النيل، وفق التقرير. كما يُضيف تعميق مصر لعلاقاتها مع إريتريا مزيدًا من الضغط على الحدود الشمالية لإثيوبيا، حيث لا تزال التوترات مرتفعة رغم غياب الصراع المباشر.

 

ووضعت المجلة التحركات المصرية من موانئ إريتريا إلى إطار حفظ السلام في الصومال، ومن خطوط إمداد القوات المسلحة الصومالية إلى الضغط الدبلوماسي المتواصل على الدول الموقعة على اتفاقية حوض النيل في إطار شبكة علاقاتٍ قاسمها المشترك هو احتواء النفوذ الإثيوبي. 

 

وقالت: "هذه استراتيجيةٌ موجهةٌ نحو الإكراه لا الحل، وقد تزامن تصعيدها مع تراجع أي أملٍ في تسويةٍ تفاوضيةٍ لأزمة النيل. وقد ازداد حصار إثيوبيا عمقًا بالتناسب مع عجز القاهرة عن إجبارها على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. هذان المساران ليسا مصادفةً، بل أحدهما سببٌ للآخر".

https://hornreview.org/2026/04/22/as-ethiopia-doubles-down-on-the-nile-egypt-deepens-its-eritrea-alignment/